الشوكاني

475

فتح القدير

والضلالة والآية فيمن آمن من الفريقين . قال : وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا ، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء ، وسلكوا في تفسيرها طرقا لا تفضي بهم إلى الصواب . والوجه ما أخبرتك فأحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال . قال : ويدل على أن البينة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه فسرها وأبدل منها فقال ( رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة ) يعني ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها ، وهو القرآن ، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه ، لا عن كتاب انتهى كلامه . وقيل إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبي الموعود به ، فلما بعث تفرقوا كما حكاه الله عنهم في هذه السورة . والبينة على ما قاله الجمهور هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه في نفسه بينة وحجة ولذلك سماه سراجا منيرا ، وقد فسر الله سبحانه هذه البينة المجملة بقوله ( رسول من الله ) فلتضح الأمر وتبين أنه المراد بالبينة . وقال قتادة وابن زيد : البينة هي القرآن كقوله - أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى - وقال أبو مسلم : المراد بالبينة مطلق الرسل ، والمعنى : حتى تأتيهم رسل من الله ، وهم الملائكة يتلون عليهم صحفا مطهرة ، والأول أولى قرأ الجمهور " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " وقرأ ابن مسعود " لم يكن المشركون وأهل الكتاب " قال ابن العربي : وهي قراءة في معرض البيان ، لا في معرض التلاوة . وقرأ الأعمش والنخعي : والمشركون بالرفع عطفا على الموصول . وقرأ أبي " فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون " قرأ الجمهور " رسول من الله " برفع رسول على أنه بدل كل من كل مبالغة ، أو بدل اشتمال . قال الزجاج : رسول رفع على البدل من البينة . وقال الفراء : رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر : أي هي رسول أو هو رسول . وقرأ أبي وابن مسعود " رسولا " بالنصب على القطع ، وقوله ( من الله ) متعلق بمحذوف هو صفة لرسول : أي كائن من الله ، ويجوز تعلقه بنفس رسول ، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من صحف ، والتقدير : يتلو صحفا مطهرة منزلة من الله ، وقوله ( يتلو صحفا مطهرة ) يجوز أن تكون صفة أخرى لرسول ، أو حالا من متعلق الجار والمجرور قبله . ومعنى يتلو : يقرأ ، يقال تلا يتلو تلاوة ، والصحف جمع صحيفة ، وهي ظرف المكتوب ، ومعنى مطهرة : أنها منزهة من الزور والضلال . قال قتادة : مطهرة من الباطل ، وقيل مطهرة من الكذب والشبهات والكفر ، والمعنى واحد ، والمعنى : أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها لأنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يتلو عن ظهر قلبه ، لا عن كتاب كما تقدم ، وقوله ( فيها كتب قيمة ) صفة لصحفا ، أو حال من ضميرها ، والمراد الآيات والأحكام المكتوبة فيها ، والقيمة المستقيمة المستوية المحكمة ، من قول العرب : قام الشئ : إذا استوى وصح . وقال صاحب النظم : الكتب بمعنى الحكم كقوله - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - أي حكم ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف " لأقضين بينكما بكتاب الله " ثم قضى بالرجم ، وليس لرجم في كتاب الله ، فالمعنى : لأقضين بينكما بحكم الله ، وبهذا يندفع ما قيل إن الصحف هي الكتب ، فكيف قال ( صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال الحسن : يعني بالصحف المطهرة التي في السماء ، يعني في اللوح المحفوظ كما في قوله - بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ - ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) هذه الجملة مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم ، وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر ، بل كان بعد وضوح الحق وظهور الصواب . قال المفسرون : لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمدا ، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا ، فآمن به بعضهم وكفر آخرون . وخص أهل الكتاب ، وإن كان غيرهم مثلهم في التفرق بعد مجئ البينة لأنهم كانوا أهل علم ، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا